أربعون يومًا غيّرت أربعين عامًا ..

ليست العزلة أن تبتعد عن الناس، بل أن تقترب من ذاتك حدَّ المواجهة. بهذه الروح، أكملتُ ما كتبه الإعلامي السعودي أحمد الشقيري في كتابه “٤٠”.
أربعون يومًا في جزيرة نائية ليست مجرد مدة زمنية، هي عمر مصغَّر، مرآة حادة تعكس لك من تكون حين يسقط عنك قناع الوظيفة، واللقب، والمنزل، والهاتف، بل وصخب الأهل والناس .
في تلك الجزيرة الهندية النائية، لم يجد الشقيري نفسه فقط، وإنما وجد أسئلته الحقيقية التي كان يغطيها ضجيج العالم . ففي ٤٠ يومًا، لخّص رحلته خلال ٤٠ عامًا في الحياة : رحلة الصراع، ومحاولة الترقي، والبحث المستمر عن السلام الداخلي.
اللافت أن الأربعين تكرّرت ؛ أربعون يومًا في العزلة، وأربعون خاطرة، وأربعون عامًا من العمر ، وهذه ليست صدفة ، بل منهج، وربما تأثّرٌ بالقرآن : ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ ، وكأن الشقيري أراد اقتفاء نبي الله موسى -عليه السلام- باحثًا عن نور الحق وسط صحراء من التيه ، ولكن بطريقته المعاصرة .
والأربعون هي أيضًا عمره حين ألّف الكتاب ، الصادر عن دار الشروق، الطبعة الأولى ٢٠١٩م، والطبعة التي في يدي هي الثانية عشرة ٢٠٢٣م .
الفكرة الجوهرية للكتاب :
قال الشقيري إن كتابه حصيلة هذه الخلوة ، أربعون يومًا جلس فيها مع ذاته، يفكر بما فات وبما هو آت . النتيجة أربعون خاطرة وزّعها على عناوين عميقة : ( ٤٠ يومًا مع نفسي، مع قراءة القرآن، مع حياتي، مع تحسيناتي، مع كتبي، مع قصصي، مع إلهي، مع حُكم الناس عليّ، مع ذكرياتي، مع استنتاجاتي ) .
الكتاب ليس سردًا لأيام العزلة، بل هو اعتراف شخصي بمواجهة ذلك الصوت الداخلي الذي نهرته طويلًا .. صوت يقول لك: “لستَ ما أنجزتَ، بل ما تركتَه وراءك”. إنها تجربة بشرية نحن بأمس الحاجة إليها، إذ يمكننا أن نرى أنفسنا فيها، نستفيد ونُفيد .
نعم، صفحات تعدّت الـ ٣٠٠، لا تُقرأ ، بل تُعاش ، فكل خاطرة فيها أشبه بـ “مفتاح” لغرفة مغلقة في داخلك لم تطرق بابها منذ سنوات ، فلن تخرج من قراءتها وأنت الشخص نفسه، لأنها تزرع فيك سؤالًا ثقيلًا : لو كنتُ وحدي تمامًا ، بعيدًا عن كل شيء، ماذا سيبقى مني؟ وإذا وجدتَ الإجابة، فقد كسبتَ رحلتك.
ختامًا.. الكتاب ليس سيرة ذاتية بقدر ما هو خريطة وجودية لكل من يشعر بالغرق في التفاصيل . المؤلف هنا يغادر جزيرته ليس بقبضة من الرمال ، وإنما بعقد سلام مع ذاته .
وفي منتهى الرحلة لا ينسى أن يترك لنا هذه الوصية المؤثرة التي اخترتها خاتمة لهذا العرض: “لستَ مضطرًا أن تكون مثاليًا ، لكنك مدعوٌّ ألا تتوقف عن المحاولة”.
وكذلك المهم في هذه الكلمات العميقة والمؤثرة التي تصدّرت الغلاف الخارجي : “الله تبارك وتعالى لا يريد منا الكمال، ولكنه يريد منا السعي المستمر نحوه”، وهذه خلاصة كتاب الأربعين عامًا في الأربعين يومًا.
محمد علي محسن




