مقالات

ما السر في غياب أوروبا عن مسرح القوى الكبرى؟


محمد الصالحين الهوني


أوروبا الشبح: القارة التي تراقب العالم من بعيد
من اللافت أن القرارات الأكثر تأثيرا في العالم، سواء تلك المتعلقة بالحرب والسلم أو التجارة مع الصين، تجري بعيدًا عن أوروبا، وكأنها مجرد ظل يستحضر عند الحاجة ولا يملك قدرة فعلية على التأثير. الشرق الأوسط يعاد تشكيله وفق حسابات أميركية وإقليمية، والحرب التجارية مع الصين تُدار بإيقاع أميركي بحت، فيما أوروبا، التي طالما صُوّرت كركيزة للنظام الدولي، تبدو اليوم غائبة، أو بالأحرى شبحًا حاضرًا بلا وزن. والسؤال الذي يفرض نفسه هو: هل أقصت أوروبا نفسها، أم أن الولايات المتحدة تعمدت تهميشها؟

الإجابة تكمن في مزيج من العاملين معًا. فمنذ نهاية الحرب الباردة، عجزت أوروبا عن صياغة سياسة خارجية متماسكة. الاتحاد الأوروبي صُمم مشروعًا للتكامل الداخلي لا للإسقاط الخارجي، ومؤسساته لا تزال غير مهيأة لمتطلبات القوة الصلبة. وعندما تندلع الأزمات، غالبًا ما تكتفي أوروبا ببيانات القلق أو المساعدات الإنسانية أو العقوبات، لكنها نادرًا ما تملك وضوحًا إستراتيجيًا يغير مسار الأحداث. هذا الضعف يتفاقم بفعل الانقسامات الداخلية؛ ففرنسا وألمانيا تختلفان في مقاربتهما للصين وروسيا والشرق الأوسط، ودول شرق أوروبا، المهددة مباشرة من موسكو، تضع أمنها تحت المظلة الأميركية قبل أي رؤية أوروبية، أما دول الجنوب المنشغلة بالهجرة والهشاشة الاقتصادية فلا شهية لها لصراعات بعيدة. النتيجة هي الشلل.

في المقابل، أعادت الولايات المتحدة ترتيب أولوياتها. تحت إدارة دونالد ترامب، تحولت عبارة “أميركا أولًا” من شعار إلى عقيدة، تعاملت مع الحلفاء كأعباء ما لم ينسجموا مع مصالح واشنطن المباشرة. أوروبا وُضعت في مرتبة الشريك الثانوي، المطلوب منه أن يتبع لا أن يقود. في الحرب التجارية مع الصين، فرضت واشنطن الرسوم الجمركية، وقيّدت نقل التكنولوجيا، وضغطت على الحلفاء لاعتماد سياسات مشابهة. أوروبا ترددت، ممزقة بين اعتمادها الاقتصادي على السوق الصينية ورغبتها في الحفاظ على التضامن عبر الأطلسي. هذا التردد كان مكلفًا؛ بينما أميركا تحدد الإيقاع، بدت أوروبا متأخرة، عاجزة عن صياغة شروطها الخاصة.

أما في الشرق الأوسط، فالصورة أكثر وضوحًا. تركيز واشنطن كان على إسرائيل ودول الخليج واحتواء إيران، فيما اقتصر دور أوروبا على بيانات دبلوماسية ومساعدات إنسانية. وعندما تصاعدت المواجهات، سواء في غزة أو الخليج، اكتفى القادة الأوروبيون بالدعوة إلى ضبط النفس، لكنهم افتقروا إلى أدوات الضغط الفعلية. روسيا والصين، بالمقابل، استغلتا الفراغ لتوسيع نفوذهما، وقدمتا السلاح والاستثمارات والدعم السياسي. أوروبا، رغم روابطها التاريخية ومصالحها الاقتصادية، وجدت نفسها على الهامش.

هذا التهميش لم يُفرض من الخارج فقط، بل كان خيارا داخليا أيضا. فالقارة تفضل الاستقرار على المواجهة، والحوار على الردع. هي مترددة في الالتزامات العسكرية، مثقلة بذكريات التدخلات الفاشلة في ليبيا وأفغانستان، حذرة من استفزاز الصين التي تغذي صناعاتها وأسواقها، مترددة في مواجهة أميركا التي لا تزال توفر مظلة أمنية ضد روسيا. في هذا الحساب، يصبح الغياب سياسة: تجنب الانخراط أفضل من المخاطرة. لكن الغياب له ثمنه.

صورة أوروبا كفاعل شبح تقوّض مصداقيتها. شركاؤها في أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط يرونها عاجزة عن الوفاء بوعودها. خصومها يرون فيها ضعفا يُستغل. حتى داخل أوروبا، يشكك الرأي العام في جدوى مؤسسات لا تحميه من الصدمات الخارجية. أزمة اللاجئين، أزمة الطاقة، والجائحة كلها كشفت هشاشة المشروع الأوروبي أمام الاضطرابات العالمية. من دون صوت أقوى في الجغرافيا السياسية، ستظل أوروبا تُعرّف من الآخرين بدل أن تعرّف نفسها.


الحرب التجارية مع الصين تكشف هذا المأزق بوضوح. أميركا تصوغها كمعركة على التفوق التكنولوجي، حيث الرقائق والذكاء الاصطناعي والطاقة الخضراء هي الميدان. أوروبا، العالقة بين الاعتماد والحذر، تتحدث عن “إزالة المخاطر” بدل “فك الارتباط”.

في الشرق الأوسط، الغياب أكثر خطورة. بينما تعيد واشنطن والقوى الإقليمية رسم التحالفات، يظل صوت أوروبا خافتًا. اتفاقات إبراهيم، التحولات في ميزان القوى بين إسرائيل والدول العربية، الصراع حول مستقبل إيران، كلها تجري دون قيادة أوروبية. حتى عندما حاولت أوروبا الوساطة، كما في الاتفاق النووي مع إيران، قوضت جهودها بانسحاب أميركي وتحد إيراني. الدرس كان واضحًا: من دون قوة صلبة، لا تكفي الدبلوماسية وحدها. اعتماد أوروبا على الإقناع والإجراءات لا يكفي في عالم تحكمه القوة والقدرة على الضغط.

المفارقة أن أوروبا تملك قوة كامنة هائلة. اقتصادها يوازي اقتصاد الولايات المتحدة. تأثيرها الثقافي عالمي. قدراتها التكنولوجية، وإن كانت متفاوتة، لا تزال مهمة. وزنها الجماعي، لو استُثمر، يمكن أن يغير المعادلات. لكن الإرادة السياسية غائبة. المصالح الوطنية تتغلب على الإستراتيجية الجماعية. السياسة الداخلية تقيد الطموح.

هل تجاهلت أميركا أوروبا عمدا؟ إلى حد ما، نعم. واشنطن تراها شريكًا في الخطاب لكنها عبء في الممارسة. تفضل الصفقات الثنائية مع دول قادرة على التنفيذ، سواء في آسيا أو الشرق الأوسط. إصرار أوروبا على العملية متعددة الأطراف يُنظر إليه كعائق. في الحرب التجارية، أرادت أميركا المواجهة؛ أوروبا قدمت الحذر. في الشرق الأوسط، أرادت أميركا الاصطفاف؛ أوروبا قدمت الوساطة. التباين كان حتميًا.

السؤال الآن: هل تستطيع أوروبا استعادة دورها؟ ذلك يتطلب مواجهة حقائق غير مريحة. لا يمكنها الاعتماد إلى الأبد على الحماية الأميركية بينما تنتقد خياراتها. لا يمكنها الاستمرار في الاعتماد على الأسواق الصينية بينما تخشى هيمنتها. لا يمكنها التبشير بالقيم بينما تتجنب تكاليف الدفاع عنها. عليها أن تقرر إن كانت تريد أن تكون لاعبًا أو متفرجًا. القرار يحتاج وحدة واستثمارًا وشجاعة.

هناك إشارات إلى صحوة. الحرب في أوكرانيا هزّت أوروبا وأجبرتها على مواجهة العدوان الروسي مباشرة. فرضت العقوبات، أرسلت السلاح، وخففت اعتمادها على الطاقة الروسية. الرد لم يكن مثاليًا لكنه كان مهمًا. أثبت أن أوروبا قادرة على الفعل عندما يكون البقاء على المحك. التحدي هو أن تمتد هذه الإرادة إلى ما وراء الأزمات المباشرة، لتبني إستراتيجية تتوقع بدل أن ترد.

غياب أوروبا عن قرارات الحرب والتجارة ليس قدرا محتوما، بل خيار صنعه الحذر والانقسام. لكن العالم لن ينتظر. أميركا والصين تحددان شروط المنافسة. روسيا والقوى الإقليمية تعيدان رسم الخرائط. إذا بقيت أوروبا شبحا، سيُحكم عليها بالهامشية. إذا قررت أن تثبت نفسها، لا يزال بإمكانها أن تشارك في صياغة المستقبل. على هذا الشبح أن يقرر: هل يظل طيفا يحوم بلا أثر، أم يعود فاعلا حيا في مسرح القوى الكبرى؟العرب

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى