كتاب عدن

عدن – بيروت: لماذا يستمرئ العربيُّ القتل؟ الدم في ساعة العرب الرملية

ديسمبر 01, 2016
عدد المشاهدات 708
عدد التعليقات 0
عدن – بيروت: لماذا يستمرئ العربيُّ القتل؟ الدم في ساعة العرب الرملية

هدى العطاس*

في هذا الوقت العربي، المُرخي سدول ليله الطويل من مضارب داحس والغبراء حتى لحظتنا الراهنة هذه، ها نحن نرقب العالم في استسلام وهو يكيّف أطراف ذلك الوقت ليجعله على مقاس الخريطة التي يتمم تصميمها. أما أنا فأتحسس حزني واتذكر في بيروت صورة لي قبل سنتين ونيف، حينما متكورةً كنت أضم ركبتيَّ اللتين ليس لي من ملاذ في الغربة سواهما. أضمّهما منتحبةً بصوت ظننت العالم كله قد سمعه، فأكتشف أن لا أحد سمعه سواي!
مهما علا نحيب الأصوات وصراخها وزعيقها في ليل الوقت المنسي، فلا يسمعها أحد. انتحبتُ والأخيلة تطاردني ويصمّ أذني صرير عجلات الدبابات في صيف 1994 اللاهب بنيران الحرب التي شنّها النظام في اليمن الشمالي، متلفعاً بالحفاظ على ما يسمّى “وحدة اليمن” التي أعلنت في العام 1990.
كانت جحافل قوات النظام اليمني تجتاح مدينتي عدن، وغوغاء أصوات الجند المقتحمين في زهو انتصارهم تنهش أذني الصغيرة آنذاك، وهم ينهبون المدينة ويروّعون سكانها.
أنا وثلة من فتيات على مشارف الأنوثة، نازحات هرباً من الحرب، كنا متكوّمات في غرفة شبه آمنة من نيران القذائف، ومهجوسات بالخوف من المجهول القادم الينا على شكل فتوى أصدرها شيوخ الدين لنظام علي عبدالله صالح، وقضت بجواز “سبي نساء الجنوب وقتل رجالهم ونهب اموالهم” باعتبارهم – أي سكان جنوب اليمن، في نظر نظام شمال اليمن وقبائله وشيوخ دينه وجنرالات جيوشه – شيوعيين ملاحدة يجوز قتلهم وأسرهم وسبيهم، كما جاء في الفتوى المذكورة.
أذكر – كأني لا أزال أعيش اللحظة تلك – خوفنا، رعبنا، هلعنا، فيما نفكر في منجى من المصير المرعب الزاحف الينا من على بعد خطوات.
أنختبئ في خزائن الملابس؟ أم تحت الأسرة؟ أم تحمل كلٌّ منا سكيناً تخبئه في صدرها لمواجهة الغاصبين، جنود “الشرعية اليمنية الوحدوية”، كما سمّوا انفسهم آنذاك.
في مستهل ربيع 2015 أُصابُ بهيستريا، أروح أحدّث نفسي بما سبق. متكوّرةً ألوذ بركبتيَّ وأنشج منتحبةً وحيدة في غربتي البيروتية، مستعيدة رعب ذاك اليوم من صيف 1994.
ألطم هواء غرفتي البيروتية التي شعرت بجدرانها الأربعة تضيق وتطبق على جسدي، فيما أتابع اخبار جحافل ميليشيات الحوثي وقوات الطاغية علي عبدالله صالح تقتحم مدينة عدن، في اجتياح جديد يعمق الجرح الذي أصاب جنوب اليمن في حرب 1994. جرحٌ لا يزال ينزّ صديده ولم يشفَ الجنوب منه بعد، ولا من التنكيل والتشريد والتهميش ونهب الثروات والقتل والأسر. هذا كله وأكثر، مورس عليه بعد الحرب تحت شعار عتيد عتيق من الوهم اسمه الحفاظ على “الوحدة” المقدسة، بذرة للوحدة العربية المتغنّى بتحقيقها، التي امتدت وطأتها ثقيلة طوال سنواتها المشؤومة التي صار مكروها كل ما يمت اليها بصلة في نظر أهل اليمن الجنوبي.
أسائل نفسي وملوحة الدمع الذي ينهمر تلسع لساني. دمعٌ لا يزال يوميا أو أسبوعيا إلى اللحظة يغسل وجهي كلما سمعت عن استشهاد قريب أو عزيز في أتون حرب وقتل وتجويع وتشريد لا نعلم لها نهاية، وليس من تفسير يشفي تساؤلي المجروح: لماذا يستمرئ العربيُّ قتل أخيه؟!
لا يصادي نحيبي سوى نحيب لنائحات في جهات الأرض العربية المسكونة بالنواح منذ سنين. ولربما قريبا سوف نقول: النائحات في جهات “الشرق الأوسط الجديد” أو أنحاء الوقت العربي الكبير.
وقت ليس له صدى سوى ذلك الصدى الضعيف الذي التقطته الأذن التي تدير تدابير العالم الحديث، لتنسج على منواله إيقاع شعارها الذي تبشر بعهده الجديد، وباشرت سعيها الحثيث لتجسيده واقعا: “الشرق الأوسط الجديد”.
من بلد السواد دُشِّنَ دكّ مداميك الخريطة الجديدة، ليسجّى داخلها الجسد العربي في حلة شرق أوسطية قشيبة، كما خاطتها مصالح الدول الكبرى واللوبيات المسيطرة، والشركات العابرة القارات والشعوب والوقت العربي المنسي.
لا غضاضة في الأمر ولا تثريب، فليس للضعفاء أن يسائلوا الأقوياء كفَّ قوتهم، فهكذا تكون القوة مجبولةً بقهر المستضعفين. فقد سجَّل تاريخُنا في ذات زهو، حينما انطلق العربي من مضاربه بروحية القبيلة الغازية، فاجتاح العالمَ وسمّى فعلته فتوحات حينذاك. ولا نزال نحن أحفاد ذلك العربي العراة من أي زهو، نتغنى به ونجترّه في أحلام سباتنا سادرين.
الوقت العربي ليس وقتا مستقطعا من الزمن البشري، بل وقت منسيّ. وربما وقت خبيء في “مخزن عتيق” محجوب بغبار نيزك سقط سهوا في صحراء الربع الخالي، فسرقه خلسةً جدٌّ عربيّ نزِق. أو لعله وقت علق في ظفائر السبايا في غزوة بين قبائل العرب التي لا تكف تتغازى وتحترب في ما بينها!
وقت أضافي على هامش الزمن البشري، وأصلي في الساعة الرملية التي ما انفك العرب يقيسون عليها مواقيتهم. وقت لزج يتمطى الهوينى في صباحاتهم القاتمة، التي في إحداها هام أحد فوارس ازمنتهم الغابرة، فنبذوه في العشق واعتصموا بقوته في ساحات الوغى، كما تحكي رواياتهم. فارس طالع من ليلهم المبهم، وعلى صورته اتخذ لونه، ومنكسر القلب وقف تحت دار معشوقته التي رحل قومها كي يحولوا بينه وبينها. فأنشدها في صباح شوقه الكئيب: “يا دار عبلة في الجواء تكلمي/ عمي صباحا دار عبلة واسلمي”. وحينما جاوبه الصمت نكص الشاعر على عقبيه، ليعود فارسهم المنذور للوغى والمحتدم في غزواتهم كرَّاً على هذه المضارب وتلك.
على صوت سنابك الخيل ولمعان السيوف أثناء حزِّها الرؤوسَ اعتادت قريحة العربي أن تثار ولا تزال! فيزأر الشاعر المنطوي في الفارس مجدداً يخاطب معشوقته بمزاج “دراكوليي” ذاك العصر: “ووددت تقبيل السيوف لأنها/ لمعت كبارق ثغرك المتبسم”.
ولعله منذ ذلك البيت الشعري تناسل الوقت العربي موئلا لهواة سفك الدم وغزوات الأخوة الأعداء، حتى حينما قال العربي لنفسه: لقد حان وقت مغادرة المضارب، وخبَّ في الصحراء يستقبل العهد الجديد، عهد الدولة العربية الاسلامية التي مددت جسدها على رفات أجساد حضارات أخرى.
لكن أليس حرياً أن نتوقف برهة نهبها للغرابة فيما نحن ندير رؤوسنا عن جثامين ثلاثة “خلفاء راشدين” اغتيلوا تباعا وهم يرسمون مسار الزمن الجديد! زمن ولجه العربي على صهوة حصانه مدّعياً الانفكاك من ذاكرة الكثبان الرملية الملتهبة، وشعاب الجبال الصلدة، وصهد الشمس الحارقة، وجفاف الصحراء اللامتناهي في دمه. فهل فلح أنفكاكه، أم لا تزال الصحراء تنبض في شرايينه؟
تقول الوقائع إن الجينات المجبولة على سلوك ما لا يمكنها أن تغيّره. وهذا بحسب نظرية النشوء والارتقاء الداروينية التي تحكم بأن السلوك إذا تكرر عند فصيل مخلوق ما، يتحول مع الوقت جينةً وراثيةً متناقلة، يورثها لنسله إلى ما نهاية!

يزجي العربي وقته المنسي بالتناحر مع أخيه. يقيناً هو الحفيد الأصلي لنسل قابيل. ولا يحتاج التثبت فحص “D N A”، فما فتئت وقائع التاريخ العربي تثبت حقيقة ذلك النسب.

* النهار اللبنانية

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى