مقالات

تفكيك “وحدة الساحات”.. هل انتهت اللعبة الكبرى؟

د. رفعت جبر
أولًا: النقاط والحروف.. ما الذي تم الاتفاق عليه؟

في دهاليز السياسة، “النقاط” هي التنازلات السيادية، و”الحروف” هي الضمانات الأمنية. يبدو أن الاتفاق الإيراني الأمريكي الذي أشار إليه ترامب مؤخرًا يرتكز على معادلة “المال مقابل الميدان”. هذا الاتفاق لا يقف عند حدود طهران، بل يمتد ليضع غزة في مهبّ الريح بعد فقدان ‘ظهير الميدان’، ويحول سوريا من ‘جسر إمداد’ إلى ‘منطقة عازلة صامتة’، حيث يبدو أن الصمت السوري الحالي هو جزء من تسهيل عملية التفكيك مقابل ضمانات بقاء النظام.
• الحروف الإيرانية: تمثلت في التهدئة الميدانية الشاملة وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز لضمان مرور “أساطيل ترامب” دون احتكاك، مما يعطي الرئيس الأمريكي صورة “القائد المنتصر” والقادر على لجم الصراعات بـ “فن الصفقة”.
• النقاط الأمريكية: هي القبول ببقاء النظام الإيراني داخل حدوده مقابل “رفع اليد” عن أذرعه الإقليمية، وهو ما نراه بوضوح في فصل المسار اللبناني عن الإيراني.




ثانيًا: لبنان.. بين سيادة القرار وأطماع الأرض
لقد تحقق “فصل المسارات” الذي سعى إليه المحور الأمريكي الإسرائيلي عبر إطالة أمد الحرب واستنزاف القوى الميدانية. وفي حين يراقب المحور العربي (الرياض والقاهرة) هذا التفكيك بحذر، موازنًا بين الرغبة في تحجيم النفوذ الإيراني والتوجس من التمدد الإسرائيلي المطلق، يبرز ‘عامل الوقت’ في أجندة ترامب؛ فهي ليست مجرد تهدئة مؤقتة، بل محاولة لفرض واقع جيوسياسي دائم ينهي الصراعات التقليدية ليتفرغ للمواجهة الاقتصادية الكبرى”.



وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يمتلك لبنان أوراق قوة لمنع التبعية الجغرافية؟
التحليل الواقعي يشير إلى أن لبنان، رغم “الانفصال القسري” عن العمق الإيراني، لا يزال يمتلك بعض أوراق اللعبة وإن كانت “محاصرة”:
1. الشرعية الدولية والقرار 1701: يظل التمسك بالحدود الدولية المعترف بها هو خط الدفاع القانوني الأخير لمنع شرعنة أي “قضم” جغرافي، وتحويل الاحتلال إلى عبء سياسي على واشنطن أمام المجتمع الدولي. اليوم، يجد لبنان نفسه وحيدًا في التفاوض المباشر، مطالبًا بالعودة للحدود الدولية؛ وهنا تكمن المصيدة القانونية. فبينما يتمسك لبنان بحدود 1923 واتفاقية الهدنة لعام 1949 كمرجعية ثابتة، تحاول إسرائيل فرض ‘الخط الأزرق’ كواقع جغرافي جديد، وهو خط انسحاب تقني وليس حدودًا سيادية، مما يمنحها ثغرات للمطالبة بتعديلات جغرافية (قضم ميداني) تحت ذريعة الميزات الأمنية، كما نرى في محاولات التوغل نحو بنت جبيل.

2. كلفة الاحتلال الميدانية: رغم التوسع الإسرائيلي، إلا أن تحويل الجنوب إلى “جغرافيا تابعة” يتطلب بقاءً عسكريًا دائمًا، وهو ما يحول الأرض إلى استنزاف بشري واقتصادي للاحتلال، مما قد يفرض عليه تراجعًا تكتيكيًا في النهاية.

3. وحدة الموقف الداخلي: ورقة القوة الأهم هي مدى قدرة الدولة اللبنانية على استعادة سيادة القرار بعيدًا عن الاستقطاب الإقليمي، لتقديم “لبنان” كطرف مفاوض واحد لا كساحة لتصفيات الحسابات.



ثالثًا: ماذا بعد الحرب والتفاوض؟
لكن، بعيدًا عن طاولة المفاوضات، يبقى السؤال الأهم: كيف سيصرف هذا ‘الفصل القسري’ في وجدان الحاضنة الشعبية؟ إن الصدمة الاجتماعية من انكسار ‘وحدة الساحات’ قد تؤدي إما إلى انكفاء وطني نحو ‘لبنان أولًا’، أو إلى حالة من الاحتقان المؤجل الذي قد ينفجر في وجه أي تسوية لا تضمن الكرامة الجغرافية”. فهل تعود إسرائيل أم تتسع مكاسبها؟ التاريخ القريب في غزة والضفة، وما يحدث الآن في جنوب لبنان وسوريا تحت سمع وبصر الجميع، يشير إلى أن الاستراتيجية الإسرائيلية الحالية (بدعم من إدارة ترامب) لا تعترف بالخطوط الزرقاء كحدود نهائية بل كمساحات قابلة للتمدد. الاتجاه العام يسير نحو:

1. قضم الأراضي: خلق “مناطق عازلة” مفرغة من السكان تحت ذريعة الأمن، لتكون واقعًا جغرافيًا جديداً يفوق التصورات.
2. تحجيم إيران: حصر نفوذ طهران داخل جغرافيتها الطبيعية، وإنهاء مفهوم “وحدة الساحات” للأبد.
3. منع انهيار العملاق الأمريكي: ترامب يريد إنهاء “الحروب الأبدية” لكن بشروطه، عبر تحويل الشرق الأوسط إلى منطقة نفوذ اقتصادي وأمني تضمن تفوق أمريكا، طالما أن إسرائيل تحصد الأرض وتوسع مكاسبها دون رادع دولي.



خلاصة التحليل
الخطة لم تكن مجرد رد فعل، بل كانت توسعية وجيوسياسية بامتياز لابتلاع المزيد من الأراضي العربية. “ابتلاع الأرض” هو الثمن الذي تدفعه الجغرافيا العربية في مقابل صفقات “تسكين الصراعات” بين القوى الكبرى. المكسب الأمريكي-الإسرائيلي تحقق بالفعل عبر كسر الرابط العضوي بين لبنان وإيران، مما وضع لبنان أمام اختبار وجودي: إما استعادة الدولة لسيادتها الكاملة على حدودها، أو التحول إلى جغرافيا ممزقة تحكمها خرائط إسرائيل الجديدة. بناءً عليه، لم يعد أمام صانع القرار العربي ترف الانتظار؛ فالمواجهة تتطلب:
1. تأميم الموقف الوطني: عبر استعادة الدولة لمبادرة القرار الدبلوماسي بعيداً عن الوكالات الإقليمية.
2. التمسك بالكتلة القانونية: تحويل ‘القرار 1701’ من مجرد ترتيبات أمنية إلى وثيقة إثبات سيادة دولية تمنع شرعنة الاحتلال.
3. التكامل الدفاعي الاقتصادي: لا يمكن حماية الجغرافيا العربية بصدور عارية؛ بل بخلق شبكة مصالح عربية تجعل من ‘قضم الأرض’ كلفة اقتصادية باهظة على القوى الدولية الداعمة لإسرائيل.

إن حماية ما تبقى من ‘وحدة الجغرافيا’ هي المهمة الأخيرة قبل أن تتحول المنطقة إلى كانتونات أمنية معزولة.”اليوم السابع

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى