كتاب عدن

وداعًا عبد الخالق .. الإيثار الذي لا يتكرر ..



وداعًا لذاكرةٍ تحمل طعمَ الطفولة ورائحةَ أول كرة قدم حقيقية ، تلك التي اقتسمنا ثمنها مناصفةً في مدينة الضالع ، بسعر تسعين شلنًا، في زمنٍ كان فيه الدينار ثروة ، وكانت الأحلام تُشترى بالأخلاق والبساطة والصدق .

كنتُ حينها في الصف السادس الابتدائي ، لكن فرحتي بتلك الكرة كانت أكبر من سنيّ عمري، وأعمق من كل الدروس . وكم كان كريمًا حين تنازل لي عن ليلته، لتنام الكرة في أحضاني ، وكأنه يمنحني جزءًا من قلبه لا مجرد يومٍ في جدولٍ صغير تشاركناه بشغف .
وداعًا للرجل الخلوق ، الأخ الأكبر لرفيق عمري وزميل دراستي صلاح الدين “أبا أشرف”. ما زلتُ أذكر تلك الليالي المسكونة بالانتظار ، حين كنّا نترقّب عودته من شمال الوطن في هزيع السبعينات ، عائدًا كطائرٍ مهاجر ، يحمل في يديه تعب الغربة، وفي قلبه دفء العائلة .
لم يكن يصل متأخرًا فحسب ، بل كان يصل محمّلًا برائحة الأماكن البعيدة، وبحكاياتٍ لم نكن نعيها تمامًا، لكننا شعرنا بها في عناقه الحار ، وفي نظراته المثقلة بالحب والمسؤولية .
في ذلك الزمان ، بدت لنا قعطبة وجوارها ، حُمر وسُليم، وكأنها في بلاد الغال ، أو مناطق من “وطن العم سام”، مشرعة الأبواب على الحلم ، لكنها كانت قاسية كالجمر .
كانوا يذهبون إليها متسللين، لا بدافع المغامرة ، بل بدافع الحب ، ليعودوا بعد أشهر ، في جنح الليل متعبين ، مكدودين، يحملون هدايا بسيطةً هي أثمن ما في الوجود ، لأنها مشبعة بالتضحية .

وما علمتنا الأيام لاحقًا أن البساطة وحدها هي الفخامة الحقيقية ، وأن أولئك الرجال لم يكونوا يحملون هدايا ، وإنما كانوا يحملون أرواحهم على أكفّهم ويمنحونها لنا مغلّفةً بالصمت والقناعة .

وداعًا الخال / عبد الخالق علي بن علي.. ليس غيابًا كأي غياب ، بل رحيل معنى نادر عن هذه الدنيا الفانية ؛ معنى الطيبة التي لا تتكلّف ، والتواضع الذي لا يسعى لظلّ ، والأصالة التي لا يشوبها تصنُّع .
كان – رحمه الله – واحدًا من قلّةٍ آثروا أن يخدشوا رقة أيديهم وغضاضة أكتافهم بحمولة الحياة المبكرة ، كي تظل أكتاف وأيدي من يحبون ناعمةً لم تخدشها الرياح أو مطارق الحديد .

كان فقيرًا إلى راحته ، غنيًا بسعادة الآخرين ، مثلًا للشهامة التي تمشي بين الناس في صمت ، وللإيثار الذي لا ينتظر مقابلًا ، وللنبل الذي يشمل الجميع بلا استثناء وبلا ضجيج .
أزعم أن أمثاله لم يكونوا مجرد أفراد صالحين في عائلاتهم ، بل كانوا أعمدةً غير مرئية قامت عليها الأسر ، وبرحيلهم لا يسقط العمود وحده ، بل تنكسر معه قطعةٌ من سقف الذاكرة ، لكنها تهطل بعدهم حبًا متدفقًا، وامتنانًا أبديًا لا يجف .
أتقدّم بخالص العزاء وأصدق المواساة إلى إخوته الأعزاء : العميد صلاح الدين، والمحامي عبد الفتاح، والدكتور نجيب ، وإلى أبنائه البررة : المهندس محمد، والمهندس مصطفى، وعلي وإبراهيم، وإلى كل أهل وذوي ومحبي الفقيد في جحاف والضالع وعدن .

رحم الله صديقي الجميل ، فلقد كانت حياته رسالةً صامتة في فن العطاء ، لم يكتبها على ورق ، بل حفرها في القلوب . إن فقدانه لمصاب جلل، ولكنه في الوقت ذاته إرث نبيل يضيء طريقنا جميعًا ، فلا نسمح للغياب أن يسرق منا فخر الانتساب إليه .

ندعو الله أن يتغمده بواسع رحمته ، وأن يغفر له، ويُحسن نزله ، ويفتح له أبواب جنانه ، وأن يجعل كل خطوة تعب فيها في سبيل أهله نورًا في قبره ، وكل دمعة حب تُذرف عليه غيثًا من الرضوان .
سلامٌ على روحك الطاهرة أبا محمد ، وسيبقى اسمك نابضًا في وجدان كل من عرفك … إنا لله وإنا إليه راجعون ، ولا نقول إلا ما يرضي الله ..

محمد علي محسن

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى