مقالات

الدولة تبقى الطرف الأقوى



د. آمال موسى


إلى جانب ما يعنيه مفهوم قوة العمل في علم الإحصاء، فإن استعمال الكلمتين «قوة» و«العمل» في توليفة واحدة لسانية ينطوي على معنى آخر مهم. وليست اعتباطية هذه العلاقة القائمة على المرافقة بين الكلمتين: فالعمل بالفعل قوة من ناحية أنه مورد أساسي لقوة الفرد وهو مجال لتحقيق الذات وإثباتها وتعزيز الثقة بها. والقوة أيضاً تتأتى من روافد عدّة لعل أهمها العمل. هناك علاقة تفاعل وتكامل وتساند بين هاتين الكلمتين.

أما مفهوم قوة العمل، فهو يعني إجمالي عدد الأشخاص الذين يشاركون فعلياً في النشاط الاقتصادي، سواء كانوا يعملون أو الذين يبحثون عن شغل. لذلك؛ فإنه ليس كل السكان في بلد واحد معنيين بقوة العمل، حيث إن الأطفال وكبار السن والطلبة والعاجزين صحياً عن العمل كلهم يتم توصيفهم بكونهم خارج قوة العمل.

يحتفل العالم اليوم بعيد العمال، وبالنسبة إلينا نحن المجتمعات العربية يمثل لنا فرصة لتحديد قوة العمل عندنا، والتوقف عند أبرز ملامحها الجديرة بالاهتمام والمعالجة.

يُعدّ العالم العربي من أكثر البلدان التي تشهد نسبة بطالة عالية؛ إذ تُقدَّر قرابة العشرة في المائة. والمشكلة الرئيسية تكمن في أن الشباب الذي يمثل المحرك الرئيسي للاقتصاد يعاني نسبة بطالة تقدر بـ25 في المائة، وهي نسبة عالية جداً، وتمثل السبب الأكبر في إنتاج أزمات مختلفة ذات صلة بالشباب.

لا يمكن معالجة أي مشكل إلا إذا عرفنا الأسباب المنتجة له، أو لنقُل بأكثر دقة المنتجة للبعد المرتفع فيه، والذي يجعله من الأرقام الأعلى دولياً.

طبعاً هناك أسباب قد تكون مشتركة بالنسبة إلى غالبية البلدان العربية، ولكن تظل هناك أسباب تخص كل بلد على حدة ذات صلة بالموارد الطبيعية والتفاصيل الديمغرافية وغير ذلك.

يبدو لنا أنَّ السبب الذي يفسر إلى حد ما ظاهرة ارتفاع نسبة البطالة في بلدان عربية عدّة، إنما يعود إلى نقطة بنيوية في عقل الدولة العربية. ونقصد بذلك أنَّ الدولة تُحمّل نفسها أكثر من طاقتها وتواصل غالبية دولنا السياسة نفسها التي اعتمدتها في الخمسينات والستينات عندما كان توفير الشغل شأناً من شؤون الدولة.

لنوضح أكثر: بعد عقود من الاستعمار كان لا بدَّ للدولة المستقلة أن تتحمَّل كل الوظائف مجتمعة؛ الشيء الذي أنتج عقلية الاعتماد الكامل على الدولة في توفير الشغل، بل إن الوظيفة لدى الدولة هي في تمثلات المجتمعات مصدر أمان وضمان وحيدين، ومثل هذه العقلية تمثل عقبةً رئيسة أمام انتشار ثقافة المبادرة الخاصة. اللافت، أن وجود هذه العقلية في سياق زمني معين أمر مفهوم وطبيعي جداً، ولكن المشكل – حسب اعتقادنا – يكمن في تواصل العقلية نفسها، والحال أن وظيفة الدولة تغيّرت وشأن التشغيل لم يعد شأن الدولة فقط.

السؤال: لماذا لم تراهن الدولة في الفضاء العربي على القطاع الخاص، وأقامت علاقة شراكة بدل اتباع سياسة الحيطة والحذر والشك في العلاقة بالقطاع الخاص؟

لا شك في أن المطلوب ليس تسليم ملف التشغيل بالكامل للقطاع الخاص، ولكن المطلوب حقاً هو تقديم التسهيلات والتشريعات الكفيلة بخلق مناخ استثمار مشجع، ومن ثمة خلق فرص تشغيلية مهمة تعالج ظاهرة البطالة وتخلص الدولة من هذا العبء. فالدولة هي الحامية من خلال أجهزتها للتشريعات الضامنة لحقوق العمال، ولن يستطيع القطاع الخاص المراوغة وتجاوز التشريعات، وإلا لما تمكَّنت الدول التي راهنت على القطاع الخاص من فعل ذلك. وأتذكر في هذا الصدد من خلال تجربة عاينتها كيف ينخرط القطاع الخاص عندما يكون دفاع الدولة عن العمال محسوماً، وكان ذلك من خلال مسؤوليتي في وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن في تونس، عندما تم إصدار قانون عطلة الأمومة في القطاع العمومي والعام والخاص في تونس يوم 13 أغسطس (آب) 2024 والترفيع في العطلة الوالدية وسحبها على جميع القطاعات، كيف أنه – وعلى الرغم من كونه ظاهرياً لا يوافق مصلحة أصحاب رأسمال المال – في ظل القانون الكل ينخرط والحماية الاجتماعية تكون مضمونة.

إذن، حتى في صورة تغوّل القطاع الخاص فإنَّ الدولة تبقى الطرف الأقوى باعتبارها المشرع والحامي للتشريعات.

من جهة أخرى، من المهم توضيح أنَّ غالبية دولنا ترغب في أن يريحَها القطاع الخاص من ملف التشغيل، وحل مشكلة البطالة التي تصل في بعض البلدان إلى قرابة العشرين في المائة، ولكن هذه الرغبة غير مشفوعة بتشجيعات حقيقية للقطاع الخاص؛ وهو ما يجب أن تفكر فيه دولنا، خاصة وأنَّ بطالة الشباب التي تصل الربع من تعدادهم مخيفة، وتجعلهم لقمة سهلة لليأس والهجرة السرية والعنف بشتى أشكاله.

نعتقد أنَّ حل مشكلة البطالة التي تسبب صداعاً للدول يكمن في بناء شراكة حقيقية مع القطاع الخاص؛ كي تستطيع دولنا التفرغ لمشاكل لا يستطيع القطاع الخاص تعويضها فيها.الشرق الاوسط

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى