ادب وثقافة

«قبض الريح».. كتاب يدعوك لأن تتوقف وتتأمل وتتساءل



كتب:بشري عبدالمؤمن


فى الأزمنة التى يتشقق فيها المعنى كما يتشقق الطين تحت شمسٍ قاسية، لا يصبح السؤال ترفًا، بل ضرورة وجود، وعند الحدّ الفاصل بين ما نراه واقعًا وما نلمسه حقيقة، يولد التفكير بوصفه فعل مقاومة.

«قبض الريح» كتاب للدكتور مصطفى حجازى، لا يبدأ من إجابةٍ جاهزة، بل من قلقٍ معرفى؛ من رغبةٍ فى أن نمدّ أيدينا نحو ما يتبدّد، وأن نصغى إلى ما يتوارى خلف صخب العالم، كأن الكتاب محاولة لإعادة ترتيب العلاقة بين العين وما تراه، وبين العقل وما يصدّقه، وبين الروح وما تأمله.

لسنا أمام أطروحةٍ تُشيِّد نسقًا مغلقًا، بل أمام مسارٍ يختبر هشاشتنا أمام الأسئلة الكبرى: ما الوجود؟ ما الزمن؟ ما الإدراك؟ وهل ما نعيشه حضورٌ حقيقى أم مجرّد أثرٍ عابر فى طيفٍ أوسع؟ فى عالمٍ تتقاسم قيادته الخوارزميات والأوبئة، وتتهاوى فيه اليقينيات القديمة، يبدو الإنسان واقفًا على حافة تعريفٍ جديد لنفسه، هنا تصبح الفلسفة مرآةً لا تعكس ملامحنا فحسب، بل تكشف الشروخ الدقيقة فى صورتنا عن أنفسنا.


الكتاب يشبه السير عكس الريح لا لمغالبتها، بل لفهم اتجاهها، إنه دعوة إلى أن نتأنّى قبل أن نُسلِّم بما يبدو بديهيًا، وأن نعيد مساءلة المسلّمات التى صارت جزءًا من وعينا. بين العلم والوحى، بين التجربة والحدس، بين الواقع والحقيقة.



ويفتح النص مساحةً للتأمل لا تبحث عن يقينٍ نهائى، بل عن يقظةٍ أعمق؛ يقظةٍ تجعل السؤال حياةً، وتجعل الفكر فعلًا أخلاقيًا فى زمنٍ يوشك أن ينسى: لماذا نفكر؟.

يبدأ كتاب «قبض الريح.. تأملات فى العلم والوحى والفلسفة» باستهلال مقاربتين يصلحان كتكئةٍ مهمة للقراءة: مقاربة واقع، ومقاربة حقيقة، الأولى تتماس مع الواقع كونه حقيقةً جليّة، فى اختيارٍ ذكى؛ لأن كثيرًا من الكتب الفلسفية نجد فيها شطحاتٍ بعيدةـ بشكلٍ ماـ عن واقعنا ومشكلات حياتنا، والثانية تسائل هذا الواقع: أهو حقٌّ أم غير ذلك؟ «وأن ليس كل واقع حقيقة، وأن ليس كل حقيقة حق».

ويميز تعاملنا مع الحقيقة فى وجهين: اقتفاءً وإدراكًا؛ فكلنا نقتفى أثرها، لكن أغلبناـ إن لم يكن كلناـ لم يدركها ولن.

ويقسم «حجازى» كتابه لعدة فصول عن: «الوجود، الواقع، الزمان، الإدراك، الجدل، الكُنه، الكيف، المعنى والإدارة، المسير والمآل»، منطلقًا من حال العالم اليوم، ومن مشكلات العصر، والظواهر الجديدة التى تنبئ بـ«زلزال حضارى مركب» كما أسماه، ويبدو متأملًا ومتسائلًا على الدوام.

أولى هذه الظواهر أن المعرفة لم تعد كما عهدناها؛ فللمرة الأولى لم يعد «العقل» ملك الإنسان وحده، فجر الذكاء الاصطناعى يبزغ، والآلة ذاتية التعلم تتفوق على الإنسان فى التحليل والتركيب والإبداع، وإن كان محدودًا، والإنتاج الفكرى يمكن أن يُحاكَى رقميًا، فيسأل «حجازى»: ما الذى يبقى «إنسانيًا» فعلًا؟

ثانى الظواهر يتمثل فى «اضطراب مناخى» يشى بأن لحظة نهاية الكوكب تلوح: أرض تتحلل، وغابات تفنى بالحريق، وتصحر يلتهم الأخضر، وفيضانات تهلك اليابس، وجليد يذوب، واختفاء التنوع البيولوجى، الحياة على الأرض لم تعد كما عهدناها كذلك.

وثالث الظواهر هو انهيار الهويات القومية والروحية معًا. ورابعها تهاوى الأطر والهياكل الفكرية للأنظمة السياسية والاقتصادية، من ديمقراطية ليبرالية إلى رأسمالية، ليتوقف أمام اللحظة الراهنة: لحظة الصدام بين الرؤى، لحظة يصفها بأنها بين «إنسانيتين»: «أفول وبزوغ».

فى لحظة كهذه، تكون الضرورة لوجود كتاب يتأمل العلم والوحى والفلسفة كما يشرع «حجازى» فى كتابه، فالكلمة تصبح واجبة حين يضطرب اليقين، وتتصدع النظم، ويخبو المعنى، وتنهار السرديات الكبرى؛ مستندًا فى ذلك على تاريخٍ طويل من الفلسفات الكبرى التى وُلدت فى لحظاتٍ مضطربة مثل تلك التى نعيشها فى عصر الذكاء الاصطناعى.

عندما أُعدم «سقراط» ظلمًا باسم الديمقراطية، وسقطت «أثينا» فى دوامة الفوضى، كتب أفلاطون «الجمهورية» ووضع تصورًا لمدينة فاضلة يحكم فيها العدل.

وتوسع العلم، وظهرت حاجة ملحّة لتأصيل العلاقة بين المادة والصورة، فكتب أرسطو «ما بعد الطبيعة». وتنامت الأسئلة الكبرى حول السلطة والعقل والوحى فى ظل صعود الدولة العباسية، فصاغ الفارابى «المدينة الفاضلة».

وعلى نفس الطريق سار الغزالى وابن عربى وابن رشد وابن خلدون وتوماس هوبز وجان جاك روسو وغيرهم الكثير؛ كلٌّ منهم كتب مقاربته وطرحه فى أوقاتٍ مفصلية فى عصره، إلى أن وصلنا لعصر الذكاء الاصطناعى ليكتب «حجازى» أطروحته «قبض الريح» فى سلسلة تحاول استشراف مستقبلنا فى الكون.

ويتأمل «حجازى» فى حقيقة الوجود، ويتوقف أمام المادة التى تتألف من جسيمات دقيقة هى الذرات وأطياف الأثير، وأن «كتلة» كل ما نلمسه حولنا ليست إلا انفعال طاقة الجسيمات، ليسأل: هل ذلك يعنى أننا نستطيع أن نقول إن كل المشاهد حولنا هو واقع أثيرى؟ ويجيب: نعم، وذلك يعنى أننا نعيش فى واقعٍ كأنه فيلم سينمائى نشاهده، لكنه يجرى فى واقع ثلاثى الأبعاد نحن شاشته وديكوره وممثليه؛ نشاهد الفيلم ونحن نعايشه ونقوم بأدوارنا فيه.

ربما هذا ما جعل شيخ الصوفية الأكبر محيى الدين بن عربى يتحدث عن «الانتقال الآنى» للمادة والطاقة والأجسام قبل قرابة ٨٠٠ سنة فى كتابه «الفتوحات المكية».

وعن الواقع- أو بالأحرى إدراكه- فيعود بنا «حجازى» إلى سؤال قديم لكنه متجدد: هل هذا واقع ما نرى، أم حقيقة ما نرى؟ لأنه وفقًا لنظريات ميكانيكا الكم، فحقيقة وجود الشىء مرهونة بملاحظتنا له، فقد كنا نقطع بأن الأرض مستوية ممتدة، حتى أثبت «فيثاغورث» خطأ تأويل انطباعاتنا عما رأيناه.

هكذا يتوقف «حجازى» أمام بديهيات كثيرة ويعيد تأملها وبناءها، ويقودنا هذا للحديث عن «الزمان»، فيشككنا الكاتب بدايةً من عنوان الفصل: «الزمان.. لسنا الآن أبدًا».

شروق الشمس فى بعضه هو غروبها فى بعضه الآخر؛ فإن ما نحياه إذن هو طيف الزمان الواحد.

يتوقف «حجازى» أمام الفتح الإنسانى الجديد فى علم الذكاء الاصطناعى، والانتقال بين عالمين: تكنولوجيا الجيل الخامس إلى تكنولوجيا الجيل السادس فى أقل من ٥ سنوات، ليسأل عن معنى «الإدراك».

وقدّم المقاربات الفلسفية نحو تعريفه فى ٣ أوجه: الأول يقرر أنه أمر مستحيل، والثانى يقرر بأنه المشاهدة المجردة أو الملاحظة غير المنحازة، وينحاز الكاتب لثالثهم كون المعاناة النفسية أو الجسدية هى عنوان الإدراك.

واتكأ على الرواية الشهيرة «البحث عن الزمن المفقود» للكاتب الفرنسى «مارسيل بروست»، يقر «حجازى» بأننا نحيا هذا الزمن واقعًا بمفهوم أكثر ثقلًا مما أراده الأدب؛ زمن ستحدد قسماته فى ثنائية سيكون لها القول الفصل فى ولاية عقل أو فى تسيد جهل، فى بقاء سلطة أو زوالها، ثنائية «الوباء والذكاء».

الأولى «الوباء»، فإن تبدت جائحة كورونا كعنوان أكثر صخبًا، فالحقيقة الأعمق أثرًا هى إصرار الإنسان على مزاحمة الحياة البرية وهتك عذريتها واقتحام فضاءاتها البيولوجية: كالإجهاز على غابات الأمازون، أو استباحة الكائنات البرية فى النظام الغذائى فى الصين، والأهم مخالطة البشر فى كل هذه الممارسات لسلالات برية لم تخالط من قبل، بكل ما تحمله من بكتيريا وفيروسات وميكروبات جديدة على العلم الإنسانى؛ وهو ما أوردنا هذا «الزمن المفقود».

والثانية «الذكاء»، فالكاتب مشغول بعالم المستقبل ومن سيقوده فى ظل الذكاء الاصطناعى، حيث يتماهى فيه الإنسان والآلة حتى يكادا يكونا صنوان خلقٍ جديد، فتكنولوجيا الجيلين الخامس والسادس هى البنية التحتية لعالم المستقبل كما يرى «حجازى»، ونتاجهما هو ما سيشكل هذا العالم الجديد. ليبقى تصنيف حاد: بشر أرقى ذكاء وبشر أدنى ذكاء، أو بالأحرى: بشر ذكى وآلات أذكى!.

وفى مثل عصر كهذا تغلب فيه الوسائل على الغايات، وتغولت فيه الكيفية على السببية، وطغى أداء الفعل على جدواه، تبرز الحاجة الملحة إلى تيار فلسفى جديد يعيد بناء الإنسان والمجتمع والدولة.

ومن هنا يؤسس «حجازى» لما أسماه إجمالًا «المقاصدية»، أو تفصيلًا: الفكر السياقى المقاصدى نحو تأسيس فلسفى لنسق الحكمة. وهى عبارة عن تأمل فلسفى يتجاوز الحداثة التى جردت الإنسان وشيّأته، وما بعد الحداثة التى بعثرته، عبر صياغة المفاهيم الكبرى مثل الدولة والاقتصاد والاجتماع والسياسة والتعليم؛ ليعيد هذا الإنسان إلى مركزه فى سياق الحقيقة لا الواقع، فى عودة مباشرة إلى المقاربتين اللتين بدأ بهما الكاتب طرحه.

ويضع «حجازى» الفرضية التأسيسية لهذه المدرسة الفلسفية: لا يُعرَف الإنسان بما يفعل، بل بما يقصد من أجله فعله. ويتوقف أمام المفاهيم الأساسية معيدًا تعريفها، ثم تأتى المبادئ المؤسسة لهذا المنهج الفلسفى. ويعود لتأصيل الفكر السياقى المقاصدى فى الفلسفة الإسلامية، من ابن رشد إلى الغزالى وانتهاءً بالشافعى؛ حيث يأتى هذا الفكر كامتداد حى لهذا التراث.

وفى الجزء الأخير من الكتاب «هوامش على متن الحكمة»، يطرح «حجازى» أسئلته عن السياسة والاقتصاد والعلم والفكر والإبداع، وعن الوطن والدولة، ويحاول الإجابة عن هذه الأسئلة الكبرى فى ظل «المقاصدية». فالسياسة لا تُبنى على منطق «من يغلب»، بل على منطق «من يصون الوجود».

وعلى المؤسسات التعليمية والإعلامية ألا تملى الحقيقة بل تشارك الإنسان فى بنائها، وعلينا تبنى نظام اقتصادى يوازن بين الإنتاج والاحترام، ونظام اجتماعى يعيد توزيع القيمة، وأن نمارس سياسة لا تستبد باسم المطلق.

«كل إنسان يموت.. وليس كل إنسان يحيا» يقول مارتن لوثر كينج أيقونة الحلم، الذى دفع حياته وهو مقيم على حلمه فى أن يحيل كل عنت فى أمته إلى يسرٍ وأمل، وكل ضيق إلى سعة، وكل قبح إلى جمال باق.

ويستلهم «حجازى» من كلمات «مارتن» ليضع كتابه فلسفته محرضًا على الخيال وقبله السؤال، منطلقًا من سؤال ملح: لماذا نحيا؟ وفى محاولته للإجابة تولدت أسئلة أخرى على شاكلة: ما الذى يجعل الإنسان إنسانًا؟ ما حقيقة الواقع والوجود؟ منطلقًا من رجاء دائم لقرائه: «فكروا تصحوا».

«قبض الريح.. تأملات فى العلم والوحى والفلسفة» لا يدّعى امتلاك اليقين أو الوصول إليه، لكنه يجاهد كى يقتفى أثره، لا يقنعك بطرحٍ ما، بل يشاركك حيرة، ويدعوك أن تتوقف وتتأمل وتسأل، سواء كان سؤالًا جديدًا أو قديمًا تُعيد طرحه على نفسك بنبرة أصدق.المصري اليوم

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى