وداعاً هاني شاكر

خالد منتصر.
برحيل هانى شاكر، رحل جزء عزيز من ذاكرة جيلنا الذى وجد فى حنجرة هانى شاكر ضفة جمال ورقى ومتعة، يستريح عليها، وإليها.
لكن لماذا يمثل هانى شاكر بالنسبة لنا هذه البصمة التى لن تُمحى؟ لا بد لفهم عمق العلاقة بين وجدان جيل، وصوت فنان، لا بد أن نحكى الحكاية، منذ البداية، منذ أن كنا أطفالاً، نشاهد فيلم «سيد درويش»، هذا الثائر الموسيقى الذى رحل شاباً، لكنه ترك أثراً فى موسيقانا، ظلت وستظل شاهداً على عبقرية شاب إسكندرانى، حفر فى الصخر، تشرَّب من نبع هذا الشعب، وشارك فى توثيق ثورته موسيقياً.
البطل السينمائى كان الفنان العظيم كرم مطاوع، ابن معهد الفنون المسرحية، القادم من إيطاليا، أما البطل الغنائى، فقد كان الطفل هانى شاكر، القادم من كورال معهد الموسيقى، الكونسرفتوار، صوت ملائكى، كان يعزف على قيثارة الوجدان.
فى الفيلم أحسسنا أن هذه الحنجرة لا بد أن تُحتضن، وتُراعى، ولا تُستنزف فى هذه السن.
عندما كبرت وقابلت «أبلة فضيلة»، كانت تحكى لى عن عشقها لصوت هانى شاكر، الذى كان يشاركها أحياناً فى «غنوة وحدوتة»، للأطفال.
حتى هذه اللحظة، وفى أروقة الإذاعة، وفترة دراسته، كانت الأمور هادئة، موهبة جميلة، تخطو بهدوء، وبدون ضجيج، لكن الولادة الحقيقية التى كانت أشبه بولادة بركان، كانت عندما قدَّمه محمد الموجى للناس، فى أغنية «حلوة يا دنيا».
نحن جيل وُلدنا فى كنف وحضن عبدالحليم حافظ، تقريباً لم نكن نرى أمامنا ونسمع إلا أداءه وصوته، كان الغناء بالنسبة لنا قد تم اختزاله واختصاره فى «حليم»، فى «العندليب»، كان لدينا نفور من أن يخرج علينا أحد ويزاحم عبدالحليم فى مكانته، وعلى عرشه، لذلك كان طموح أى مطرب أن يقترب من منطقة الخطر تلك ويلمس، مجرد لمس، مكانة حليم الأسطورية فى نفوسنا.
كانت مغامرة غير مأمونة العواقب، بل عملية انتحارية محكوم عليها بالفشل، فما بالك إذا كان من يقدمه للناس رفيق عمر ورحلة كفاح العندليب، الموجى!
إذن هى مؤامرة، كنا مستعدين كجيل فى هذا الزمن، أن نصدق أن ظهور هانى شاكر هو مؤامرة كونية، وغيرة فنية، من رفيق رحلة، ظل خلف الكاميرا، يصنع النجاح لحليم، بدون أن يأخذ نفس شهرته، وبالطبع أخذ التسخين الصحفى يشعل النار، لدرجة أن الناس صدقت أن هانى شاكر قد ركّب زمارة فى حنجرته لتقليد صوت عبدالحليم!
كان أباطرة الصحافة كلهم أصدقاء حليم، وكانت كل محاولات تدشين نجم منافس لعبدالحليم حافظ محاولة بائسة، ولنا فى المطرب كمال حسنى، الذى جهزوه بديلاً للعندليب، والذى طواه النسيان خير مثال، المهم أن هانى شاكر بموهبته كسر طوق العزلة تلك، وساهمت شخصيته الهادئة، وحبه الشخصى لعبدالحليم، وعدم الرهان على «يا أنا يا أنت»، التى تتبناها العقلية المصرية المحبة للقمة المدببة التى لا تسع إلا شخصاً واحداً، ورحيل عبدالحليم فجأة، كل هذه العناصر ساهمت فى تخفيف حدة الحرب على هانى شاكر.
خطا هانى شاكر إلى القمة بكل ثقة، لم ينجح فى السينما نفس نجاح عبدالحليم، وهداه ذكاؤه إلى اعتزال المعترك السينمائى مبكراً، عرف أنه ليس ملعبه، وركز فى الغناء، وتعاون مع كبار الملحنين، واختار كلمات الشجن، وحفر فى الوجدان المصرى الميال بطبيعته إلى هذا الشجن، بعمق ودأب، وذكاء أيضاً.
لن أتكلم فى إنجازه الموسيقى، فقد كتب ويكتب فيه المتخصصون، الأفضل منى فى هذا المجال، ولكنى سأتكلم عن إسهام مهم، لا يرصده إلا من عاش بداياته، وتابع رحلته، وهى أن هانى شاكر كان الجسر الذى عبرنا عليه كمستمعين، من حصن وقلعة عبدالحليم حافظ، إلى رحاب حديقة الحجار ومنير وعمرو دياب، وهذا الجيل الذى كان ينتظر الفرصة، اختصر لهم الطريق، وتلقى عنهم رصاص النقد والهجوم، ظل صوت هانى شاكر حتى آخر لحظة وعلى عكس معظم من أتى بعده، وكانوا أصغر منه بسنوات، ظل صوته متفرداً، قوياً، بنفس صفائه، ونبرته، وامتداده.
رحم الله هانى شاكر، فنسيانه صعب أكيد على جيلنا، الذى أحبه، وعشقه، حتى صار جزءاً أصيلاً من نسيج حياتنا.
نقلاً عن “الوطن”



