ادب وثقافة

كتاب الزخارف التقليدية في حضرموت


تقديم: مسعود عمشوش

تُعَدُّ حضرموت واحدة من أكثر الأقاليم العربية ثراءً في موروثها البصري والفني، فهي ليست مجرد جغرافيا ممتدة في جنوب الجزيرة، بل فضاء حضاري تشكّل عبر قرون طويلة من التفاعل بين الإنسان والبيئة، وبين الحاجة والجمال، وبين الوظيفة والرمز. وقد عُرف سكان حضرموت بولعهم العميق بالفنون والزخرفة، حتى غدت الزينة جزءًا أصيلًا من حياتهم اليومية، لا يقتصر حضورها على العمارة أو الحرف فحسب، بل يمتد إلى البيوت، والألبسة، والأجساد، والمقتنيات، والمواشي، بل وحتى المأكولات. وهذا الميل الفطري إلى التزيين والتشكيل يكشف عن حسّ جمالي رفيع، وعن وعي ثقافي متجذر يرى في الزخرفة لغةً من لغات الهوية والانتماء.

في هذا السياق يأتي كتاب (الزخارف التقليدية في حضرموت)صدؤ في يونيو 2020 للأستاذ ياسر قنيوي بوصفه عملاً توثيقيًا ومعرفيًا بالغ الأهمية، إذ يفتح نافذة واسعة على عالم الفنون البصرية التقليدية في حضرموت، ويكشف – لأول مرة في هذا الشمول – عن ما تبقى من الزخارف والرموز البصرية المتوارثة عبر ما يقارب ثلاثين قرنًا، كما تتجلى في العمائر، والمنتجات الحرفية، ومظاهر الحياة اليومية. ومن ثم فإن هذا الكتاب لا يمثل مجرد عرضٍ للزخارف بوصفها عناصر جمالية منفصلة، بل يقدمها بوصفها جزءًا من الهوية الثقافية الغنية لحضرموت، وأحد مكونات التراث الإنساني الفريد.
وتتضاعف أهمية هذا العمل بالنظر إلى ما يحيط بالتراث المادي واللامادي اليوم من تحديات التلاشي، نتيجة التحولات العمرانية والاجتماعية والاقتصادية المتسارعة. ومن هنا تبرز قيمة الكتاب باعتباره مرجعًا بصريًا ووثائقيًا من شأنه أن يسهم في حفظ هذا الإرث، وإتاحته للباحثين والمهتمين والقراء داخل حضرموت وخارجها.
كما أن صدوره بطباعة نوعية وواسعة، بدعم كريم من الشيخ عبدالله بن أحمد بقشان، الذي دعم طباعة ستة آلاف نسخة من الكتاب، يؤكد إدراكًا عميقًا لأهمية صون التراث الحضرمي وتقديمه إلى جمهور أوسع في حضرموت والجزيرة والعالم.
والكتاب من تأليف ياسر قنيوي، وتحرير أبريلين سيدل، وكُتبت مقدمته بقلم الدكتورة سلمى الدملوجي، الباحثة المعروفة في العمارة، والتي كرست منذ عام 1980 جانبًا مهمًا من جهدها العلمي لدراسة العمارة في بلادنا وأصدرت في ذلك مؤلفات عدة. وهذا التضافر بين التأليف الميداني، والتحرير العلمي، والتقديم الأكاديمي، يمنح الكتاب قيمة مضاعفة، ويجعله مشروعًا ثقافيًا متكاملًا لا مجرد إصدار توثيقي عابر.
ويشتمل الكتاب على أربعة عشر قسمًا تمثل مجالات الزخرفة التقليدية في حضرموت، هي: العمارة، الأخشاب، النسيج، تزيين الجسد الآدمي، تزيين الحيوانات، المجوهرات، الأسلحة، المعادن، الخوص، الفخار، الجلد، الكتب والخط، زخرفة المأكولات، والآلات الموسيقية. وهذا التقسيم يكشف عن رؤية شمولية ترى الزخرفة ممارسة ثقافية عابرة للخامات والوظائف، تتجسد في كل ما يصنعه الإنسان الحضرمي أو يستخدمه أو يحيط نفسه به.
وإذا كانت العمارة تمثل – كما يوضح الكتاب – شاهدًا حيًا على الزخم الفني البصري في حضرموت، بما تضمه من تنوع في أساليب الزخرفة من الرسم بالأصباغ اللونية، والزخارف الغائرة والبارزة، والزخارف الجبسية والنُّورة، إلى العناصر الجمالية المعمارية من أقواس وتجويفات ومسننات وتيجان وكرانيش، فإن الأخشاب تحتل مكانة خاصة لا تقل أهمية، بل قد تكون من أغنى المجالات التي احتضنت التكوينات الزخرفية في البيئة الحضرمية.
وقد أفرد المؤلف للأخشاب قسمًا مستقلاً، انطلاقًا من كون السطوح الخشبية من أغنى الخامات الحاضنة للتراكيب الزخرفية في حضرموت، وأكثرها ثراءً وتنوعًا، وذلك لما يمتاز به الخشب من مطاوعة وقابلية للتشكيل، وما يتيحه للحرفي من إمكانات فنية واسعة. فالخشب في حضرموت لم يكن مجرد مادة نافعة لصناعة الأبواب والنوافذ والأسقف والأثاث وأدوات الاستعمال اليومي، بل تحول إلى حامل جمالي نابض، تنطبع عليه ذائقة المجتمع، ومهارة الصانع، وتقاليد المكان.
وتنوعت طرائق تزيين الخشب في حضرموت، فشملت الحفر الغائر والبارز، وهو من أكثر الأساليب حضورًا لما يمنحه من عمق بصري وإيقاع زخرفي واضح؛ كما شملت تشكيل التكوين الزخرفي من حشوات خشبية متفرقة، وهي تقنية تكشف عن وعي بنائي وجمالي يزاوج بين التركيب والزخرفة. وإلى جانب ذلك، استخدمت الأصباغ اللونية في تزيين الأسطح الخشبية، بما يضفي على القطعة الخشبية حياة إضافية تتكامل فيها الكتلة مع اللون، والشكل مع الإيقاع. كما حضرت المطرزات أو النماذج المعدنية بوصفها عنصرًا تكميليًا يثري السطح الخشبي ويمنحه مهابة ولمعانًا ووظيفة زخرفية خاصة.
ومن منظور سياحي وثقافي، فإن هذا القسم من الكتاب يكتسب أهمية استثنائية؛ لأن الزخارف الخشبية ليست مجرد تفاصيل فنية معزولة، بل هي جزء من المشهد البصري الحضرمي الذي يصنع فرادة المكان. فالأبواب المنقوشة، والنوافذ المزخرفة، والأسقف الخشبية، وصناديق الحفظ، وغيرها من المشغولات، تمثل شواهد حية على مهارة الحرفي الحضرمي وعلى ما بلغه من رهافة في الجمع بين المنفعة والجمال. ومن ثم فإن توثيق هذه العناصر يسهم في تعزيز فهمنا للتراث العمراني والحرفي، ويفتح المجال أمام توظيفه في السياحة الثقافية، وفي برامج حفظ التراث، وفي إحياء الحرف التقليدية، وفي بناء خطاب بصري يعبر عن حضرموت للعالم.
إن أهمية كتاب ياسر قنيوي لا تنحصر في كونه يجمع صورًا أو أوصافًا لزخارف تقليدية، بل في كونه يقدم قراءة حضارية لهوية بصرية تشكلت عبر التاريخ، وتوارثتها الأجيال، وعبّرت من خلالها عن إحساسها بالجمال والنظام والرمز. إنه كتاب يعيد الاعتبار إلى التفاصيل الصغيرة التي قد تبدو عادية في الحياة اليومية، لكنها في حقيقتها تختزن معاني عميقة عن الإنسان والمجتمع والذوق والبيئة.
ومن هنا فإن هذا الإصدار يمثل إضافة نوعية للمكتبة الحضرمية والعربية، ومرجعًا مهمًا للباحثين في التراث والفنون والعمارة والحرف التقليدية، كما يشكل مادة ثرية لدارسي السياحة الثقافية، لما يقدمه من توثيق بصري ومعرفي يمكن أن يسند جهود التعريف بحضرموت بوصفها وجهة تراثية ذات خصوصية عالمية.
وختامًا، فإن الاحتفاء بهذا الكتاب هو في جوهره احتفاء بحضرموت نفسها: بتاريخها، وذاكرتها، وحرفييها، وذائقتها الفنية، وقدرتها الدائمة على تحويل المادة اليومية – وفي مقدمتها الخشب – إلى أثر جمالي حيّ. ولعل هذا العمل الجاد يكون خطوة راسخة في سبيل صون الزخارف التقليدية الحضرمية، وإبرازها كجزء أصيل من التراث الإنساني الذي يستحق أن يُرى ويُدرس ويُحتفى به

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى