مقالات

الشرق الأوسط.. أرض الفرص الضائعة


ربى عياش


كفى حروباً.. غزة لا تستحق أن تكون ركاما
لو حسبنا حجم الأموال التي صُرفت على الحروب والصراعات وسباقات التسلح خلال العقود الأخيرة، وخصوصاً خلال السنوات القليلة الماضية، لوجدنا أنفسنا أمام أرقام تكفي لإحداث تحولات تاريخية في حياة مئات الملايين من البشر. تريليونات الدولارات أُنفقت على الدمار والمواجهات العسكرية والاستعداد للحروب والاستثمار في التطرف والإرهاب والكراهية والصراعات.. من حرب روسيا وأوكرانيا إلى حرب إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، إلى حرب إسرائيل على غزة والضفة ولبنان، وحرب العراق وصراعاته الداخلية، وسوريا وحروبها المتتالية، وحرب السودان وحروب اليمن، وصراعات داخلية وخارجية طالت الجميع، العدو والصديق، والدائرة مع الأسف تتسع.

حروب تم الاستثمار بها فالتهمت مستقبل الشعوب، بينما كان من الممكن أن تتحول كل هذه الموارد المبددة إلى مدارس وجامعات ومستشفيات ومراكز أبحاث وبنية تحتية وفرص عمل ومشاريع تنموية قادرة على تغيير مستقبل أجيال كاملة. لذا، كيف كان سيبدو عالمنا لو استثمرنا جزءاً من هذه الموارد في الإنسان بدلاً من أدوات الهدم والقتل؟

خلال السنوات الأخيرة تجاوز الإنفاق العسكري العالمي مستويات غير مسبوقة، وترافقت معه حروب وصراعات خلفت خسائر بشرية ومادية هائلة. مدن دُمّرت، ومجتمعات تشرذمت، وملايين البشر تحولوا إلى نازحين ولاجئين، البطالة بتزايد، الفقر يتفاقم، الجهل يتسع، وفوضى خلّاقة في العديد من الدول تثور كبراكين تعجز الأطراف عن احتوائها وإدارتها، حتى امتدت الآثار الاقتصادية إلى مناطق بعيدة عن ساحات القتال نفسها. ولم تكن الكلفة مقتصرة على ما أُنفق مباشرة على العمليات العسكرية، بل شملت أيضاً ما ضاع من فرص للتنمية والاستقرار والنمو كان يمكن أن تستفيد منها دول وشعوب بأكملها.

الحقيقة أن تدمير مدينة أسهل بكثير من بنائها وقتل مئات الآلاف أسهل من بناء مجتمع مزدهر وآمن ونشر الخوف والكراهية أسهل من نشر الثقة والتعاون

لو تم توجيه جزء من هذه الموارد نحو التعليم، لارتفعت مستويات المعرفة والمهارات والإنتاجية في مجتمعات كاملة. ولو استُثمرت في الصحة، لأمكن إنقاذ حياة ملايين البشر وتحسين جودة حياتهم، واكتشاف أدوية لعلاج أمراض مزمنة متفاقمة، بدلاً من قتلهم بشكل عبثي ومباشر. ولو ذهبت إلى البنية التحتية والابتكار والتكنولوجيا، لخلقت فرصاً اقتصادية واستثمارية أكثر استدامة وربحية من أي حرب أو صراع.

هنا لا أتحدث عن عالم طوباوي ولا عن حلم مثالي منفصل عن الواقع، بل عن طرح عقلاني وإنساني ومنطقي أكثر من فكرة الدمار والإبادة والاستنزاف وسنوات الضياع التي نعيش في كنفها. فالاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأعلى عائداً على المدى الطويل، بينما تستهلك الحروب الموارد، وتراكم الأزمات، وتؤجل التنمية لعقود، وتؤثر على أجيال قادمة ستدفع ثمن كل قرار مجنون يُتخذ اليوم.

كان يفترض أن نعيش في عالم يتمتع فيه الجميع بحقوقهم الأساسية، ويحصلون على احتياجاتهم وفرصهم، ويكون لديهم من الوقت والقدرات والموارد لبناء واقع ومستقبل أفضل. بدلاً من قبول عالم تتسع فيه الفجوات الاقتصادية بشكل هائل، ويتركز فيه قدر كبير من الثروة والنفوذ في أيدي قلة صغيرة، بينما تكافح أعداد هائلة من البشر لتأمين أساسيات الحياة. والغالبية باتت ترى أن هذا الواقع هو الطبيعي والمنطق العادي للدول والهياكل الاقتصادية والاجتماعية والفكرية.

هذه الفجوات ليست ظاهرة طبيعية أو قدراً محتوماً، بل هي نتاج قرارات سياسية واقتصادية وتاريخية راكمت النفوذ والثروة لدى البعض على حساب الآخرين، ومكنت قلة من التمتع بامتيازات استثنائية، بينما ملايين البشر يدفعون ثمن الحروب والصراعات والقرارات التي لم يشاركوا في صنعها من البداية.

سيقول البعض إن أمن الدول ليس رفاهية، وإن العالم لا يعيش ضمن منظومة مثالية تضمن السلام للجميع. وهذا صحيح، فالدول تتسلح لأنها تخشى التهديدات أو الاعتداءات أو فقدان قدرتها على حماية مصالحها وشعوبها، أو بسبب الصراع على الموارد والسلطة، أو صراع تاريخي تراكمي قديم بين الأيديولوجيات والأفكار والعقائد والاختلافات الطائفية والدينية والفكرية. والإنسان مع الأسف يعيش في ظل مجتمعات قائمة على دوامة الخوف المتبادل، حيث كل طرف يتسلح خوفاً من الآخر، فيرد الآخر بالمزيد من التسلح، وتستمر الحلقة بلا نهاية واضحة.

لكن حتى مع الاعتراف بهذه التعقيدات وأكثر، لا يمكن اعتبارها مبرراً لهذا الحجم الهائل من الدمار والتشظي الذي يدفع الناس ثمنه يومياً، خاصة اليوم في ظل عام 2026، حيث تتوفر كافة المواد والتقنيات والتكنولوجيا والأفكار لبناء عالم أفضل. لكن البديل كان المزيد من الصراعات!

كل ذلك كان نتيجة تراكمات من الفشل السياسي، وسوء الإدارة، والفساد، والصراع على الموارد، إضافة إلى الاستثمار في الأيديولوجيات المتطرفة والخطابات القائمة على التخويف والكراهية وإلغاء الآخر، وإقصاء الرأي والفكر والإنسانية، وجعل مفردات كالعدالة والمساواة والقانون والشفافية والمسؤولية وكأنها تنتمي لعالم خرافي.

في حين ما زالت هناك قوى ومؤسسات تبني نفوذها ومصالحها على استمرار الحروب والصراعات. وما زالت هناك آلات إعلامية كاملة تُستخدم لتغذية الانقسام ونشر الخوف وتحويل الخصوم إلى أعداء مطلقين. وما زالت أصوات كثيرة تدفع نحو التصعيد بدلاً من البحث عن مساحات مشتركة تسمح بالتوقف عن تعزيز هذا الجحيم، والبدء في ضمان الهدوء والاستقرار.

لأنه بعد كل هذه الحروب، وبعد كل هذا الظلام، من ينادي بتعويض كل من خسر نفسه؟ هل يُعاد الأموات من موتهم؟ ومن ينادي بتعويض كل من خسر أملاكه وذكرياته ومستقبله؟ هل من أحد يكترث؟ ومن ينادي بكل من خسروا أجزاء من أجسادهم وأرواحهم وقلوبهم؟ من ينتشل الناس من فقرهم؟ ومن يعيدهم إلى بيوتهم؟ من يوقف هذا النزوح المتتالي في كل مكان؟ من يخلق فرصاً ووظائف لكل هؤلاء الشباب الذين باتوا بلا عمل؟ ومن يساعدهم في تحقيق أحلامهم المشرذمة؟ من يضمن تربية صحية لأطفال وُلدوا في كنف الخوف؟ من يكترث للإنسان؟

الحقيقة أن تدمير مدينة أسهل بكثير من بنائها. وقتل مئات الآلاف أسهل من بناء مجتمع مزدهر وآمن. ونشر الخوف والكراهية أسهل من نشر الثقة والتعاون. فالخوف غريزة قوية تستطيع السيطرة على البشر ودفعهم نحو قرارات لا تخدمهم على المدى الطويل. أما الأصعب فهو أن ينجح الإنسان في كبح جماح ظلام الغضب والتعصب والكراهية والرغبة في الانتقام. الأصعب هو أن يختار البناء عندما يكون الهدم أسهل، وأن يستثمر في المستقبل بدلاً من الاستسلام لدوامة الصراع.

أن تبني يعني أن تؤمن بأن الأجيال القادمة تستحق حياة أفضل. أن تؤمن أن كل هذه الملايين تستحق عدالة وحياة مستقرة وسلسة، لا أن تتاجر بآلامهم ومعاناتهم. ويعني أن تدرك أن أبناء الغد سيدفعون ثمن قرارات اليوم. فكل هذه الجبهات التي تُفتح لتحويل نفسك إلى إمبراطور ستزيد من كره الآخرين لك على مدى تاريخ طويل قادم، وبذلك أنت تدمر مستقبل أجيال لم يولدوا بعد.

والسلام لا يعني فقط غياب الحرب، بل أن نصنع مؤسسات قوية، ونحقق عدالة اجتماعية واقتصادية، وأن تكون الكلمة للمنطق والقانون. أن نعمل على تطوير تعليم يركز على التفكير النقدي، والعودة للفلسفات الفكرية والأدبية، وأن نطور فرصاً اقتصادية حقيقية توفر فرص عمل للأغلبية. السلام أن يكون هناك حريات تسمح للناس بالتعبير والمشاركة، وأنظمة سياسية تستوعب التنوع وتسمح بسماع الرأي الآخر بدلاً من شيطنته وإقصائه. السلام أن نتوقف عن خلق هذا الجحيم كل يوم.

أن تبني يعني أن تؤمن بأن الأجيال القادمة تستحق حياة أفضل. أن تؤمن أن كل هذه الملايين تستحق عدالة وحياة مستقرة وسلسة، لا أن تتاجر بآلامهم ومعاناتهم

لذلك يجب أن نحسب الكلفة الحقيقية للحرب كما هي فعلاً. فالكلفة الحقيقية تشمل الأرواح التي فُقدت، والفرص التي ضاعت، والمدن التي دُمّرت، والأطفال الذين حُرموا من التعليم، والعقول التي هاجرت، والأحلام التي تم تبديدها، والمستقبل الذي تأخر لعقود.

فللأصدقاء والأعداء.. كفى حروباً. لأن الإنسان يستحق حياة مستقرة أكثر، يستحق خدمات بجودة عالية، ويستحق أن يحقق أحلامه في هذا العالم. هناك الكثير من الدول في العالم تعاني من مشاكل تفوق قدرة مخلوق ضعيف هش كالإنسان على تحملها.

كفى حروباً.. لأن غزة لا تستحق أن تكون ركاما، بل منطقة سياحية جاذبة للاستثمار والجمال. ولأن الضفة لا تستحق أن تكون سجناً خانقاً، بل أرضاً تحمل في تاريخها وأحجارها وإرثها مكانة روحية وإنسانية استثنائية، عقائد وإيمانيات لأديان كان من المفترض أن تقرّب الإنسان لنفسه وللآخر، لا أن تكون مركزاً لسفك الدماء على مدى قرون.

ولأن لبنان كان من المفترض أن يبقى سويسرا الشرق، لا أن يصبح نازحاً ومهجّراً ومدمّراً وجريحاً. وسوريا كان من المفترض أن تبقى أرض الحضارات ومهد مدنٍ كانت الأقدم في تاريخ البشرية، وجسراً يصل بين الشرق والغرب. والعراق، أرض سومر وبابل وآشور، من علمنا الكتابة وكيف نبني مدناً ودولاً وحضارات، كان الأجدر أن يبقى مركزاً للمعرفة والتنمية، لا أن يكون ساحةً للصراعات المسلحة وتنازع النفوذ.

والأمثلة لا تنتهي هنا، لتصل إلى اليمن وليبيا والسودان، وحتى إيران وأفغانستان وغيرهم الكثير. لذا يبقى السؤال الأكبر الذي يواجه العالم كله: كيف ننتقل من الحروب إلى السلام؟ كيف نعوض كل الفرص الضائعة في هذا العالم وفي هذا الشرق الجريح؟ وكيف نبني نظاماً يجعل التعاون أكثر جدوى من الصراع؟

ذلك هو التحدي الحقيقي، وذلك هو الاستثمار الذي يستحق أن تخوض البشرية سباقها من أجله، لا أن تبقى أسيرة سباق تسلح وحروب وصراعات.العرب

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى